محمد حسين الذهبي

378

التفسير والمفسرون

ومن الأمثلة التي يظهر فيها هذا التصرف من أجل أغراضهم المذهبية ، قوله تعالى في الآية ( 88 ) من سورة البقرة « وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ » فبعض المعتزلة أحس من هذه الآية أنها لا تتفق ومذهبه ، لأنها تشعر بأن اللّه خلق قلوبهم على طبيعة وحالة لا تقبل معها الإسلام ، فيكون هو الذي منعهم عن الهدى وألجأهم إلى الضلال فقرأها هذا المعتزلي « غلف » جمع غلاف بمعنى الوعاء ، أي قلوبنا أوعية حاوية للعلم ، فهم مستغنون بما عندهم عما جاءهم به محمد عليه الصلاة والسلام ، وهذا الوجه يتمشى مع القراءة المعروفة « غلف » على أنه مخفف « غلف » ، وبطبيعة الحال يكون هذا القول من اليهود افتخارا منهم بأن قلوبهم أوعية للعلم ، فلا حاجة لهم بما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ، وليس اعتذارا منهم وتبريرا لكفرهم بأن اللّه خلق قلوبهم في أكنة مما يدعوهم إليه ، ومغشاة بأغطية تمنع وصول دعوة الرسول إليها . وهذا الذي ذكرنا من قراءة « غلف » بدون تخفيف تعرض لذكره الزمخشري فقال « وقيل غلف : تخفيف غلف ، جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره . وروى عن أبي عمرو : « قلوبنا غلف » بضمتين » ا ه « 1 » . كما ذكره أيضا الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره لهذه الآية فقال : « . . . . وثانيها - أي ثاني الأوجه - روى الأصم عن بعضهم أن قلوبهم غلف بالعلم ، ومملوءة بالحكمة ، فلا حاجة معها بهم إلى شرع محمد عليه السلام . . . » ا ه « 2 » . وهكذا نجد شيوخ المعتزلة ، يحاولون التوفيق بين مذهبهم والقرآن ، بكل ما يستطيعون من وسائل التوفيق ، تارة بتطبيق مبدئهم اللغوي على كثير من

--> ( 1 ) الكشاف ج 1 ص 224 ، والقراءة المروية عن أبي عمرو شاذة . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 1 ص 615